نصوص عمرانية !

للعمران ثقافته وكلماته ونصوصه التي تنتشر بين المتخصصين ومن ثم تنتشر تالياً بين غير المتخصصين بسبب الإعجاب بها واعتقادهم بأنه أدراك المصطلحات يعني إدراك العمران بكافة مستوياته وهنالك تبدأ مصيبة المصطلحات والنصوص العمرانية ومصيبة المصطلحات في المجالات الأخرى عموماً يكمن في إعادة استخدام العبارات والكلمات لأشياء ليس لها علاقة مباشرة أو قد تكون ذات علاقة ولكن ليس بالمفهوم المستخدمة به، فخلال الفترات الماضية قرأت عن مصطلحات مثل جودة الحياة، البيئة العمرانية، الاستدامة البيئية وغيرها الكثير من منظور أشخاص غير متخصصين والنتيجة التي وصلت لها بأن الأمر أصبح إنشاء وتصفيف عبارات.

هذه النصوص الإنشائية لم تصبح بين يوم وليلة بهذا الصورة الباهتة بل كانت البداية الفعلية لها في شرائح العرض للمشاريع العمرانية والتي لها عذرها في تقريب المفهوم المتخصص من العامة فمصطلح مثل المشهد الحضري والذي أصبح جزء من تقارير إعلامية عديدة ويمكنك التأكد من أن المصطلح غارق في العبارات الإنشائية من خلال سؤال أي عدد تريد من الأشخاص فكلا منهم سيقدم لك مزيج من الكلمات التي لن تخرج عن محيط العبارة التالية (الارتقاء بالبيئة العمرانية من مباني وطرق وساحات وحدائق وممرات مشاة !)، فهذه العبارة ليست صحيحة كلياً وليست خاطئة أبداً بل الخطأ هنا هو اعتقاد أن المشهد الحضري هو النتيجة النهائية فقط ويبدأ العمل على تحسين تلك النتيجة النهائية من خلال دهانات لونية مرة وأخرى من خلال توحيد التعددية البصرية لقالب موحد.

في الحقيقة أن الذي يبدو عليه الأمر الفترة الحالية هو أن القدرة الإنشائية للنصوص العمرانية هو أكثر ما نجحت به بعض الجهات وذلك بالنظر إلى جهودها وأعمالها على أرض الواقع، فلا ممرات المشاة التي يتحدثون عنها هي ممرات مشاة ولا جودة الحياة التي يدعون تحسنها في تلك الأحياء قد تتحسن من خلال لمسة جمالية واحدة على واقع مهدد للحياة كلياً أحياناً، وهذا ليس ما يؤلم حقاً بل الفاجعة فعلياً بالنسبة لي على الأقل هو اعتقاد أن التوحيد اللوني أو الشكلي هو جزء من التحسين الذي تنتظره المدن، والمنطق يقول بأن القدرة على بناء عبارة إنشائية ونص عمراني تطرب له الأذان ليست أبداً في مستوى القدرة على بناء بنية تحتية للأرصفة والممرات المتصلة، أو بنية تحتية للطرق أو للساحات والأماكن العامة أو غيرها من العناصر العمرانية ولا أعلم عن المجالات الأخرى ولكنني لا أثق كثيراً بالنصوص والمصطلحات التي تختفي نتائجها عن الواقع وتحضر بشدة في المنشورات الإعلامية  ثم بعد سنوات نكتشف خدعة النصوص العمرانية لنا وواقع العمران الذي ينتظر منا الكثير والكثير لحظتها.

تذكرة مغادرة يقول الكاتب توماس كارليل: أعظم الأخطاء هو أن يكون المرء غير مدرك للأخطاء التي يرتكبها.

العمران، قضية قابلة للنقاش !

يعتقد بعض متخصصي التخطيط والتصميم بأن آرائهم حق لابد أن يتم إتباعه وقبوله كما هو دون نقاش أو حوار، ويتعصب العديد منهم لآرائهم وكأنها جزء من الحقيقة المطلقة التي لا يمكن رفضها فهي بالنسبة لهم أشبه بالشمس وإشراقها من الشرق، وأن الآخرون لا يملكون من الحقيقة شيء ويجهلونها أيضاً.

النقاش في العمران أشبه بالنسبة لي بالتنفس للإنسان يبقيه على قيد الحياة ولكن دون النقاش لن يحدث سوى ما هو متوقع من موت محقق للعمران، فالعديد من القضايا العمرانية قتلت في مهدها خشيت أن يؤدي النقاش لما هو غير محمود !! ودون سبب فعلي سوى عدم الرغبة بالاستماع لرأي آخر وظلت تلك المواضيع لم تتقدم كثيراً مع أن العديد من المجتمعات العمرانية المشابهة عالجت وناقشت وبلغت جزء من الاتفاق فيما بينها ووضع العمران في إطار قابل للنقاش دون أن يكون للعمر تأثير أقوى من تأثير الرأي.

حينما تكن لديك القدرة على المناقشة وعرض أفكارك دون الإساءة أو التجريح تصريحاً وتلميحاً تستطيع أن تقول بشكل آخر بأن حجتك أقوى ورأيك سديد ولكن حينما تستخدمها فأنت بشكل أو بآخر تقول إنك رأيك ضعيف ولكنك تجعله أقوى بالصوت، فليست الفكرة أغلبوهم بالصوت !!

ما زال العمران بين ماضٍ وحاضر ومستقبل وما زال العديد من المتخصصين يطمحون ليكونوا من يخترق سماء العمران لآفاق جديدة يضعوا فيها بصمتهم ولكن لنضع بالاعتبار الأسماء المعاصرة والبيئة التي تدعمها ومستوى النقاشات التي يمرون بها طوال أوقات نضوجهم الفكري، فهنالك جانب آخر خلاف التشريعات والتنظيمات يجب العمل عليه وتطويره من أجل أن يتطور العمران وتتحقق أسس بناء الحضارة .

العمران والحتمية في مخيلتي قد التقيا وتقرر بينهما أن يكونا في مسارين متوازيين ولا يمنعا من أن يلتقيا عند الضرورة على أن يضلان على مسافة قريبة طوال الوقت.

تذكرة مغادرة: يقول الشاعر أبو ذؤيب الهذلي “لا تحتقر الرأي الجزيل من رجل هزيل”.

المدن الكئيبة تحتاج إلى…

مهما طال البحث في قائمة المدن الأكثر سعادة والأسوأ لن تخلو أكثر المدن سعادة من شيء من الكآبة وكذلك لن تخلو أي مدينة من الجمال فالأمر مرتبط بوجود الإنسان أولاً وأخيراً، الكآبة مثل الجمال أمر حسي يشعر به أي إنسان وفي أي مكان وبدرجات مختلفة ولذلك يتفق البشر على وجود مكان كئيب وآخر جميل وحينما يطلب منهم توصيف مصدر ذلك تجده مرتبط أكثر بعوامل إنسانية ومجتمعية وبيئية ولكن كمتخصص في العمران أسعى لتكون المدن جميلة ومثالية قدر الإمكان ، أهدف أن لا تكون كئيبة ولذلك أفكر لعلي أصل إلى معادلة تحقق التوازن بين الجمال والكآبة في المدن.

أعتقد أن تجربة الزائر تجاه مدينة ما هي العامل الأهم في شعوره تجاه تلك المدينة أو غيرها فكلما زادت تجربة الزائر تجاه المدن توجب العمل على خلق تجارب جديدة، فمن العبارات المقلقة لي فعلاً في حديث المجتمع عن مدينة سياحية أن زيارتها خلال سنوات متباعدة لم تشكل أي فارق ولم يكن هنالك اختلافات جوهرية تذكر وهذا دلالة أن الذاكرة البصرية والتجربة الأولى تبقى ولكن التجربة التالية هي الأهم في وجهة نظري وهي ما يجب أن نسعى لتحقيقه وإستهدافه بشكل مستمر.

هنالك مدن تعمل على إثارة الحواس المختلفة لدى البشر وتثير شجونهم بطرق مختلفة عن غيرها من المدن وقد حاولت سؤال العديد من الأشخاص بأعمار مختلفة عن شعورهم حيال مدن ومحافظات وقرى معينة وسؤالهم ما الذي يمكن أن يجعل المدن كئيبة فغالبهم لم يخرجوا عن عنصري المجتمع والبيئة وقليل منهم ذهب في اتجاه العناصر الحضرية واستطيع أن أؤكد أنهم جميعاً على صواب تجاه تلك العناصر ولكن غياب تأثير المحور الحضري بات واضحاً للمتخصصين وكذلك لأولئك الذين يمتلكون قدرة على فهم المدن بشكل أفضل من غيرهم.

الحقيقة التي أجدها أمامي كل مرة هي مدى تفضيل الأطفال للقرى مع ندرة الخصائص الحضرية فيها وينزعجون من المدن مع تعدد العناصر الحضرية في المدن أو توفرها بالحد الأدنى على الاقل وهذا أمر ليس مستغرباً فما يسعد الأطفال في القرى ليس سوى التجربة المختلفة كل مرة وهذا يدفعنا نحو التفكير فيما تحتاجه المدن الكئيبة فعلياً وحتى نعلم ذلك لنبدأ في سؤال الأطفال والأطفال فقط لأن الآخرين لا يملكون الكثير ليقدموه من أجل ذلك.

تذكرة مغادرة : يقول الفيلسوف والفيزيائي الفرنسي بليز باسكال “الحكمة تعود بنا إلى الطفولة”.

التنمية الشريطية، هدر يلزم إيقافه!

قد يكون أسوء قرار تم اتخاذه في تنمية القرى والمحافظات الصغيرة والبعيدة هو جعل الطرق تمر من خلالها لا أن تمر بجوارها وبين أن تمر من خلالها وتمر بجوارها فرق شاسع وهذا الفارق ما زال يمثل العديد من المعضلات والقضايا التخطيطية في المدن الصغيرة والمتوسطة وفي ذلك الزمن قد لا يكون القرار خاطئ تماماً ولعدة اعتبارات ولكنه اليوم أصبح أحد أسباب تأخر التنمية في العديد من المحافظات والمدن الصغيرة.

تلك الاعتبارات كانت سبباً وجيهاً في التوجه نحو ربط القرى والمحافظات الصغيرة بشبكة وصول لها، ولكن مع التمدد العمراني الذي طال تلك القرى الصغيرة لتصبح مراكز ومحافظات متوسطة وصغيرة ومع استمرار ضعف الكوادر المتخصصة في التنمية أضحت تلك الطرق والمواقع المطلة عليها هي الجزء الأهم والأكثر أهمية في كل قرية ومحافظة وباتت التنمية الشريطية هي الجزء الغالب في العديد من المدن والمحافظات واضحت القطاعات الخدمية تطارد ما لا تستطيع في تقديم خدمات البنى التحتية والخدمات العامة وأنصب التفكير نحو حل في الاتجاه الخاطئ وهو خصخصة تلك الخدمات لعدد من المناطق نظراً لصعوبة تلبية الاحتياج في ظل عدم توفر الموارد الكافية لتأسيس تلك الخدمات.

أذن، ما الحل المناسب لمعالجة واقع التنمية الشريطية في العديد من المدن والمحافظات الصغيرة وكذلك القرى في ظل عدم وجود محدد تنموي سوى النطاق العمراني والذي أصبح إعداده لا يعدو كونه إجراء روتيني ومتطلباً لوجود وثيقة بهذا العنوان  لاستكمال إجراءات تنموية أخرى مختلفة  ومن الضرورة أن يكون التفكير نحو تأسيس نطاقات تنموية مرتبطة بالقرى تحديداً وإيجاد مسارات للطرق بديلة يكون هدفها أن ربط القرى والمحافظات الصغيرة من دون اختراقها مع وضع مبدأ عام لتنمية المواقع التي تعاني من التنمية الشريطية عبر تركيز الخدمات ضمن محيط عمراني يحدد فيه الاحتياجات التنموية المستقبلية بما يلبي الاحتياجات الفعلية أو قد يكون التفكير في حلول أفضل من قبل المتخصصين العمرانيين تلبي التطلعات التنموية وتكون سبباً في إيقاف هدر الموارد قدر الإمكان.

أخيراً، المخطط العمراني الواعي هو الذي يصنع من أخطاء حدثت سابقاً فرصاً لحلول عمرانية تقدمية بها يحسن قدر المستطاع الواقع العمراني ويضع بذرة لمستقبل أكثر تطورا مستفيداً من تقنيات معاصرة ومستقبلية دون أن يعيش في قوقعة الماضي من نظريات قديمة للتخطيط العمراني أتت لزمن مختلف ويجب عليه أن يؤسس للمستقبل العمراني الذي يستجيب بمرونة عالية لأهداف تنموية طموحة تصنع المستقبل.

تذكرة مغادرة : يقول الكاتب أحمد سعيد إسبر المشهور بـ (أدونيس)  أقسى السجون وأمرها تلك التي لا جدران لها.